كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله تعالى: {قل ما كنتُ بِدْعًا من الرُّسُل} أي: ما أنا بأول رسو ل.
والبِدْع والبديع من كل شيء: المبتدأ {وما أَدري ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُم} وقرأ ابن يعمر. وابن أبي عبلة: {ما يَفْعَلُ} بفتح الياء ثم فيه قولان:
أحدهما: أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا.
ثم فيه قولان:
أحدهما: أنه لمّا اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. رأى في المنام أنه هاجر إلى أرضٍ ذاتِ نخلٍ وشجرٍ وماءٍ. فقصَّها على أصحابه. فاستبشَروا بذلك لما يلقَون من أذى المشركين.
ثم إِنهم مكثوا بُرهة لا يرَوْن ذلك. فقالوا: يا رسول الله متى تُهاجِر إلى الأرض التي رأيتَ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى: {وما أدري ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُم} يعني: لا أدري. أخرُجُ إِلى الموضع الذي رأيتُه في منامي أم لا؟ ثم قال: إِنما هو شيء رأيتُه في منامي. وما {أتَّبع إِلاّ ما يوحَى إِليَّ}. رواه أبوصالح عن ابن عباس.
وكذلك قال عطية: ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها.
والثاني: ما أدري هل أُخْرَج كما أُخْرج الأنبياءُ قَبْلي. أوأُقْتَل كما قُتِلوا. ولا أدري ما يُفْعَل بكم. أتعذَّبونَ أم تؤخَّرونَ؟ أتُصدَّقونَ أم تُكذَّبونَ؟ قاله الحسن.
والقول الثاني: أنه أراد ما يكون في الآخرة.
روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لمّا نزلتْ هذه الآية. نزل بعدها {لِيَغْفِرَ لكَ اللهُ ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِكَ وما تأخَّر} [الفتح: 2] وقال: {ليِدُخِلْ المؤمِنينَ والمؤمِناتِ جنّات} الآية [الفتح: 5] فأُعلم ما يُفْعَل به وبالمؤمنين.
وقيل: إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا: ما أمْرُنا وأمْرُ محمد إلاّ واحد. ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. فنزل قوله: {لِيَغْفِرَ لكَ اللهُ} الآية [الفتح: 2]. فقال الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله. فماذا يُفْعَل بنا؟ فنزلت {لِيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمناتِ جنّاتٍ} الآية [الفتح: 5]؛ وممن ذهب إِلى هذا القول أنس. وعكرمة. وقتادة.
وروي عن الحسن ذلك.
قوله تعالى: {قُلْ أرأيتُم إِنْ كان مِنْ عِنْدِ اللهِ} يعني القرآن {وكَفَرْتُم به وشَهدََشاهدٌ مِنْ بني إِسرائيل} وفيه قولان:
أحدهما: أنه عبد الله بن سلام. رواه العوفي عن ابن عباس. وبه قال الحسن. ومجاهد. وقتادة. والضحاك. وابن زيد.
والثاني: أنه موسى بن عمران عليه السلام. قاله الشعبي. ومسروق.
فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة. فيكون المعنى: وشهد شاهد من بني إِسرائيل عليه. أي: على أنه من عند الله. {فآمن} الشاهد. وهو ابن سلام {واستَكْبرتُم} يا معشر اليهود.
وعلى الثاني: يكون المعنى: وشَهِد موسى على التوراة التي هي مِثْل القرآن أنها من عند الله. كما شهد محمد على القرآن أنه كلام الله. {فآمن} مَنْ امن بموسى والتوراة {واستَكْبرتُم} أنتم يا معشر العرب أن تؤمِنوا بمحمد والقرآن.
فإن قيل: أين جواب (إن)؟ قيل: هو مُضْمَر؛ وفي تقديره ستة أقوال:
أحدها: أن جوابه: فَمنْ أَضَلُّ منكم. قاله الحسن.
والثاني: أن تقدير الكلام: وشَهِدَ شاهدٌ من بني إِسرائيل على مثله فآمن. أتؤمِنون؟ قاله الزجاج.
والثالث: أن تقديره: أتأمنون عقوبة الله؟ قاله أبو علي الفارسي.
والرابع: أن تقديره: أفما تهلكون؟ ذكره الماوردي.
والخامس: مَن المُحِقُّ مِنّا ومِنكم ومَن المُبْطِل؟ ذكره الثعلبي.
والسادس: أن تقديره: أليس قد ظَلَمْتُمْ؟ ويدُلُّ على هذا المحذوف قوله: {إِنَّ الله لا يَهْدِي القومَ الظالمين}. ذكره الواحدي.
قوله تعالى: {وقال الذين كَفَروا للذين آمنوا} الآية. في سبب نزولها خمسة أقوال:
أحدها: أن الكفار قالوا: لوكان دين محمد خيرًا ما سبقَنا إِليه اليهودُ. فنزلت هذه الآية. قاله مسروق.
والثاني: أن امرأة ضعيفة البَصر أسلمتْ. وكان الأشراف من قريش يهزؤون بها ويقولون: واللهِ لوكان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقتْنا هذه إِليه. فنزلت هذه الآية. قاله أبو الزناد.
والثالث: أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به قومه إِلى الإِسلام. فقالت قريش: لوكان خيرًا ما سبقونا إِليه. فنزلت هذه الآية. قاله أبو المتوكل.
والرابع: أنه لمّا اهتدت مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةُ وأسلمتْ. قالت أسَد وغَطَفان: لوكان خيرًا ما سبقنا إِليه رِعاءُ الشَّاء. يعنون مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ. فنزلت هذه الآية. قاله ابن السائب.
والخامس: أن اليهود قالوا: لوكان دين محمد خيرًا ما سبقتْمونا إِليه. لأنه لا عِلْمَ لكم بذلك. ولوكان حَقًّا لدخَلْنا فيه. ذكره أبو سليمان الدمشقي.
وقال: هوقول مَنْ يقول: إِن الآية نزلت بالمدينة؛ ومن قال: هي مكية. قال: هو قول المشركين.
فقد خرج في {الذين كفروا} قولان:
أحدهما: أنهم المشركون.
والثاني: اليهود.
وقوله: {لوكان خيرًا} أي: لوكان دين محمد خيرًا {ما سَبَقونا إِليه} فمن قال: هم المشركون. قال: أرادوا: إنّا أعَزُّ وأفضل؛ ومن قال: هم اليهود. قال: أرادوا لأنا أعلم.
قوله تعالى: {وإِذْا لَمْ يَهْتَدُوا به} أي: بالقرآن {فسيقولون هذا إِفّكٌ قديم} أي: كذب متقدِّم. يعنون أساطير الأولين.
{ومِنْ قَبْلِهِ كتابُ موسى} أي: من قَبْلِ القرآن التوراةُ.
وفي الكلام محذوف. تقديره: فلَمْ يهتدوا. لأن المشركين لم يهتدوا بالتوراة.
{إمامًا} قال الزجاج: هو منصوب على الحال {ورحمةً} عطف عليه {وهذا كتابٌ مُصدِّقٌ} المعنى: مصدِّقُ للتوراة {لسانًا عربيًّا} منصوب على الحال؛ المعنى: مصدِّقُ لما بين يديه عربيًّا وذكر {لسانًا} توكيدًا. كما تقول: جاءني زيد رجلًا صالحًا. تريد: جاءني زيدٌ صالحًا.
قوله تعالى: {لِيُنْذِرَ الذين ظَلَمُوا} قرأ عاصم. وأبو عمرو. وحمزة. والكسائي: {لِيُنْذِرَ} بالياء.
وقرأ نافع. وابن عامر. ويعقوب: {لِتُنْذِرَ} بالتاء.
وعن ابن كثير كالقراءتين.
و{الذين ظلموا} المشركين {وبُشرى} أي: وهو بُشرى {للمُحْسِنِينَ} وهم الموحِّدون يبشِّرهم بالجنة.
وما بعد هذا قد تقدم تفسيره [فصلت: 30] إلى قوله: {بوالدَيْه حُسْنًا} وقرأ عاصم. وحمزة. والكسائي: {إحسانًا} بألف.
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا} قرأ ابن كثير. ونافع. وأبو عمرو: {كَرْهًا} بفتح الكاف؛ وقرأ الباقون: بضمها.
قال الفراء: والنحويُّون يستحبُّون الضَّمَّ هاهنا. ويكرهون الفتح. للعلَّة التي بيَّنّاها عند قوله: {وهوكُرْهٌ لكم} [البقرة: 216].
قال الزجاج: والمعنى حملته على مشقَّة {ووضعته} على مشقَّة.
{وفِصالُه} أي: فِطامُه.
وقرأ يعقوب {وفَصْلُهُ} بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف {ثلاثون شهرًا} قال ابن عباس: {ووضعته كُرْهًا} يريد به شِدَّةَ الطَّلْق.
واعلم أن هذه المُدَّة قُدِّرتْ لأقلِّ الحَمْل وأكثرِ الرَّضاع؛ فأمّا الأشُدّ. ففيه أقوال قد تقدَّمت؛ واختار الزجاج أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة. لأنه وقت كمال الإنسان في بدنه وقوَّته واستحكام شأنه وتمييزه.
وقال ابن قتيبة: أشُدُّ الرجُل غير أشُدِّ اليتيم. لأن أشُدَّ الرجُل: الاكتهال والحُنْكَةُ وأن يشتدَّ رأيُه وعقلُه. وذلك ثلاثون سنة. ويقال: ثمان وثلاثون سنة. وأشُدُّ الغُلام: أن يشتدَّ خَلْقُه ويتناهى نَبَاتُه.
وقد ذكرنا بيان الأَشُد في [الأنعام: 153] وفي [يوسف: 22] وهذا تحقيقه.
واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها نزلتْ في أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه. وذلك أنه صَحِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة. فنزلوا منزلًا فيه سِدْرَة. فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظِلِّها. ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين. فقال له: مَن الرَّجُل الذي في ظِلِّ السِّدْرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا واللهِ نبيٌّ وما استَظَلَّ تحتَها أحدٌ بعد عيسى إِلاّ محمدٌ نبيُّ الله. فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق. فكان لا يفارِق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضره. فلمّا نُبِّىء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة صدَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمّا بلغ أربعين سنة. قال: رب أَوْزِعْني أن أشكُرََ نِعمتَكَ التي أنعمت عليَّ.
رواه عطاء عن ابن عباس. وبه قال الأكثرون؛ قالوا: فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة. دعا الله عز وجل بما ذكره في هذه الآية. فأجابه الله. فأسلم والداه وأولادُه ذكورُهم وإناثُهم. ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة.
والقول الثاني: أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص. وقد شرحنا قصته في سورة [العنكبوت: 8]. وهذا مذهب الضحاك. والسدي.
والثالث: أنها نزلت على العموم. قاله الحسن.
وقد شرحنا في سورة [النمل: 19] معنى قوله: {أوزعني}.
قوله تعالى: {وأن أعمل صالحًا ترضاه} قال ابن عباس: أجابه الله يعني أبا بكر فأعتق تسعةً من المؤمنين كانوا يُعذَّبون في الله عز وجل. ولم يُرِدْ شيئًا من الخير إِلاّ أعانه اللهُ عليه. واستجاب له في ذُرِّيته فآمنوا. {إنِّي تُبْتُ إليك} أي: رَجَعْتَ إِلى كل ما تُحِبُّ.
قوله تعالى: {أولئك الذين نَتقبَّل عنهم أحسنَ ما عَمِلوا ونتجاوز عن سيِّئاتهم} قرأ ابن كثير. ونافع. وأبو عمرو. وابن عامر. وأبو بكر عن عاصم: {يُتَقَبَّلُ} {ويُتَجَاوَزُ} بالياء المضمومة فيهما.
وقرأ حمزة. والكسائي. وحفص عن عاصم. وخلف: {نَتَقَبَّلُ} و{نَتَجَاوَزُ} بالنون فيهما.
وقرأ أبو المتوكل. وأبو رجاء. وأبوعمران الجوني: {يَتَقَبَّلُ} و{يَتَجَاوَزُ} بياء مفتوحة فيهما. يعني أهل هذا القول والأحسن بمعنى الحَسَن.
{في أصحاب الجنة} أي: في جملة من يُتجاوز عنهم. وهم أصحاب الجنة.
وقيل: (في) بمعنى (مع).
{وَعْدَ الصِّدْقِ} قال الزجاج: هو منصوب. لأنه مصدر مؤكِّد لِمَا قَبْله. لأن قوله: {أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عنهم} بمعنى الوعد. لأنه وعدهم القبول بقوله: {وَعْدَ الصِّدْقِ}. يؤكِّد ذلك قوله: {الذين كانوا يُوعَدون} أي: على ألسنة الرُّسل في الدنيا.
قوله تعالى: {والذي قال لوالدَيْه أُفٍّ لكما} قرأ أبو عمرو. وحمزة. والكسائي.
وأبو بكر عن عاصم: {أُفِّ لكما} بالخفض من غير تنوين.
وقرأ ابن كثير. وابن عامر: بفتح الفاء.
وقرأ نافع. وحفص عن عاصم: {أُفٍّ} بالخفض والتنوين.
وقرأ ابن يعمر: {أُفٌّ} بتشديد الفاء مرفوعة منوَّنة.
وقرأ حميد. والجحدري: {أُفًّا} بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين.
وقرأ عمرو بن دينار: {أُفُّ} بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين.
وقرأ أبو المتوكل. وعكرمة. وأبو رجاء: {أُفْ لكما} باسكان الفاء خفيفة.
وقرأ أبو العالية. وأبوعمران: {أُفِّيْ} بتشديد الفاء وياءٍ ساكنة مُمالة.
وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قَبْلَ إِسلامه. كان أبواه يدعُوانه إِلى الإِسلام. وهو يأبى. وعلى هذا جمهور المفسرين.
وقد روي عن عائشة أنها كانت تُنْكِر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن. وتَحْلِفُ على ذلك وتقول: لو شئت لسمَّيتُ الذي نزلتْ فيه.
قال الزجاج: وقول من قال: إِنها نزلت في عبد الرحمن. باطل بقوله: {أولئك الذين حَقَّ عليهم القول} فأعلَمَ اللهُ أن هؤلاء لا يؤمِنون. وعبد الرحمن مؤمِن؛ والتفسير الصحيح أنا نزلت في الكافر العاقِّ.
وروي عن مجاهد أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر. وعن الحسن: أنها نزلت في جماعة من كفار قريش قالوا ذلك لآبائهم.
قوله تعالى: {وقد خَلَتِ القُرونُ مِنْ قَبْلِي} فيه قولان:
أحدهما: مضت القُرون فلم يرجع منهم أحد. قاله مقاتل.
والثاني: مضت القُرون مكذِّبة بهذا. قاله أبو سليمان الدمشقي.
قوله تعالى: {وهما يستغيثان اللهَ} أي: يَدعُوَان اللهَ له بالهدى. ويقولان له: (ويلك آمن) أي: صدِّق بالبعث. {فيقول ما هذا} الذي تقولان {إِلاّ أساطيرُ الأولين} وقد سبق شرحها [الأنعام: 25].
قوله تعالى: {أولئك} يعني الكفار {الذين حَقَّ عليهم القول} أي: وجب عليهم قضاء الله أنهم من أهل النار {في أُمم} أي: مع أُمم.
فذكر الله تعالى في الآيتين قَبْلَ هذه مَنْ بَرَّ والدَيْه وعَمِل بوصيَّة الله عز وجل. ثم ذكر مَنْ لم يَعْمَل بالوصيَّة ولم يُطِعْ ربَّه ولا والدَيْه {إِنهم كانوا خاسرِين} وقرأ ابن السميفع. وأبوعمران: {أنَّهم} بفتح الهمزة.
ثم قال: {ولكلٍّ دَرَجاتٌ ممّا عَمِلوا} أي: منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من إِيمان وكفر. فيتفاضل أهلُ الجنة في الكرامة. وأهل النار في العذاب {وليوفيهم أعمالَهم} قرأ ابن كثير. وعاصم. وأبو عمرو: {وليُوَفِّيَهُمْ} بالياء. وقرأ الباقون: بالنون؛ أي: جزاء أعمالهم.
قوله تعالى: {ويومَ يُعْرَضُ} المعنى: واذكُرْ لهم يومَ يُعْرَض {الذين كَفَروا على النّار أذْهَبْتُمْ} أي: ويقال لهم: أذهبتم. قرأ ابن كثير: {اذْهَبْتُمْ} بهمزة مطولة.
وقرأ ابن عامر: {أأذْهَبْتُمْ} بهمزتين.
وقرأ نافع. وعاصم. وأبو عمرو. وحمزة. والكسائي: {أذْهَبْتُمْ} على الخبر. وهو توبيخ لهم.
قال الفراء. والزجاج: العرب توبِّخ بالألف وبغير الألف. فتقول: أذَهَبْتَ وفعلت كذا؟! وذهبتَ ففعلت؟! قال المفسرون: والمراد بطيِّباتهم ما كانوا فيه من اللذَّات مشتغلين بها عن الآخرة مُعرِضين عن شُكرها.
ولما وبَّخهم اللهُ بذلك. اثر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتنابَ نعيم العيش و لذَّته ليتكامل أجرُهم و لئلا يُلهيَهم عن مَعادهم.
وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على خَصَفة وبعضُه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوَّة ليفًا. فقال: يا رسول الله: أنتَ نبيُّ الله وصفوتُه. وكسرى وقيصر على سُرُر الذَّهب وفُرُش الدِّيباج والحرير؟! فقال صلى الله عليه وسلم: «يا عمر. إِن أولئك قوم عُجِّلت لهم طيِّباتُهم. وهي وشيكة الأنقطاع. وإِنّا أُخِّرتْ لنا طيِّباتُنا» وروى جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحماُ معلَّقًا في يدي. فقال: ما هذا ياجابر؟ فقلت: اشتهيت لحمًا فاشتريتُه. فقال: أوكلمَّا اشتّهيت اشتريت يا جابر؟! أما تخاف هذه الآية {أذْهَبْتُم طيِّباتكم في حياتكم الدُّنيا}.